هل يحرُم زيارة المسجد الأقصى؟
زيارة المسجد الأقصى في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي
حُكم شد الرحال إلى المسجد الأقصى في ظل
وجود الاحتلال الاسرائيلي
هناك أحاديث كثيرة تحث على زيارة بيت المقدس، ومنها قول رسول الله ﷺ: "لا
تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدٍ: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد
الأقصى"، وعن الصحابي ذِي الْأَصَابِعِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنْ ابْتُلِينَا بَعْدَكَ بِالْبَقَاءِ أَيْنَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "عَلَيْكَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ
يَنْشَأَ لَكَ ذُرِّيَّةٌ يَغْدُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَرُوحُونَ".
فحكم
زيارة المسجد الأقصى مندوبة؛ أي مُحبّب، باتفاق الفقهاء -ممن يعتد برأيهم- بأن
الأصل هو زيارة المسجد اللأقصى المبارك لما فيه من فضل ومضاعفة في أجر الصلاة، لكن
هل هذا الحُكم يتغيّر بسبب وجود الاحتلال الإسرائيلي؟ للإجابة عن هذا السؤال نحن
بحاجة لتحرير محل النزاع؛ أي ذكر
الجوانب المُتفق عليها عند الجميع، والجوانب المختلف فيها، وبيان سبب الخلاف، في مسالة زيارة المسجد
الأقصى المبارك تحت سُلطة الاحتلال الصهيوني.
|
الحالة |
رأي العلماء |
|
أهل فلسطين الذين يحملون جوازات سفر لدولة الاحتلال
ويقيمون خارج فلسطين، أو يحملون الهوية التي تمكنهم من السفر والدخول إلى فلسطين،
من غير طلب من السفارة الصهيونية. |
اتفق الفقهاء على جواز
زيارتهم للقدس، والمسجد الأقصى. |
|
أهل فلسطين الذين يعيشون في الداخل؛ أي في الضفة
الغربية، وفي قطاع غزة، وفي أراضي 48،... |
اتفق العلماء على جواز
زيارتهم للقدس وللمسجد الأقصى، بل مندوب الذهاب، ويصل لحد الوجوب، إعمارا للمسجد الأقصى، ودفاعا،
ورباطا على أبوابه، وحماية من الاقتحامات. |
|
من كان بين دولة الاحتلال ودولهم علاقة طبيعية؛ كمسلمي
أمريكا، واستراليا، وتركيا وغيرها...فلا يحتاجون لتأشيرة دخول "فيزا". |
اتفق العلماء على جواز
زيارتهم للمسجد الأقصى المبارك، لأن عدم سفرهم لفلسطين لن يؤثر على طبيعة
العلاقة بين الدول، بل بعض العلماء قالوا بأنه يجب أن يسافروا ويثبتوا تواجدهم، ودعمهم
للمقدسيين. |
|
أولا: المسلمين الذين يعيشون في الدول العربية التي يُخشى
عند السماح لهم بالزيارة، من تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال. ثانيا: الفلسطينيون الذين هاجروا ديارهم ولم يعد لهم
ارتباط ورقي، مثل: هويات، أو جوازات سفر بأرض فلسطين، ولم تكن هناك حاجة مُلحة لهم،
وضرورية جدا لزيارة الأرض الفلسطينية. |
هناك رأيان: الأول، يجيز
الزيارة حتى لو كان ذلك تحت الاحتلال الإسرائيلي. الرأي الثاني يمنع الزيارة
ويحرّمها خلال وجود الاحتلال، وهنا يظهر محل الخلاف. لذلك هذا المقال سيوضيح هذا الخلاف الجوهري. |
عندما نتحدث
عن أن العلماء - ممن يعتد برأيهم- اتفقوا على حرمة التطبيع مع الكيان المُحتل، وكل
ما يتبع ذلك من أي اعترافا بحقهم ولو بشبر واحد في فلسطين، لأن هذا التطبيع يُمكّن
العدو من أرض المسلمين ومقدساتهم، ولا يحق لأي مسلم التنازل عن أرض فلسطين للعدو،
لأن الأرض ومقدساتها ملك المسلمين جميعا. فعند إطلاق الأحكام الشرعية، لابد من
الاحتكام للموازنة بين المصالح والمفاسد، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
|
المصالح |
المفاسد |
|
الأجر المضاعف،
عند زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه. |
تطبيع العلاقة
مع العدو الصهيوني، بأن له دولة ولها سفارات، ويُطلب الإذن منها لزيارة أراضي
المسلمين والصلاة في مساجدهم. وختم إسرائيل على الجوازات، يُشعر بأن الشعوب
لديها رضا تام عن تصرفات إسرائيل ووجودها.
|
|
إن الصلاة في المسجد الأقصى للتأكد على حق المسلمين
فيه، وهذا بدوره يعمل على ربط الأمة به. فمن عاين ليس
كمن سَمع. |
فتوى جواز الزيارة تعمل على كسر الحاجز النفسي
والديني، بين المسلمين والمحتلين الصهاينة. والبقاء على فتوى التحريم يعمل على
بقاء العداء بين الشعوب الإسلامية والاحتلال حتى يأذن الله تعالى بالتحرير. |
|
دعما لأهل
فلسطين معنويا، وماديا، فيشعر الفلسطينيون أن المسلمين مُقدَّرون صمودهم،
ويعتزون بهم. أما ماديا، فعند زيارة فلسطين، والقدس خاصة، فهذا بدوره يعمل على زيادة
حركة البيع والشراء منهم. |
امتلاء سفارات
العدو الصهيوني في شتى دول العالم، لا سيما الدول العربية بالمسلمين طلبا
لتصريحات وفيز الزيارة ما يمثل اعترافا شعبيا بمشروعية الاحتلال، وهذا ما يسعى
له المحتل من السماح بهذه الزيارات، وهو ما يستدعي فتح سفارات وقنصليات في بعض
الدول التي لم تعترف بعد بدولة الاحتلال. |
|
تنشيط الحركة السياحية لمدينة القدس، وتعريف الناس
والمسلمين بالقدس والمسجد الأقصى، فمن زارها كان أقدر على وصفها وربط الناس
بها. |
الأثر النفسي الخطير على المرابطين في المسجد الأقصى،
حيث يشعرون بأنهم وحدهم في المقاومة والدفاع عن المسجد الأقصى، وأن بقية الشعوب
الإسلامية باتت في حالة سلام وصلح مع عدوهم. |
|
الوقوف بجانب
المرابطين في المسجد الأقصى. |
تحسين صورة
الاحتلال الغاصب أمام العالم، بأنهم يسمحون للمسلمين بزيارة المسجد الأقصى
وممارسة شعائرهم الدينية. |
هنا يطرح
المسلم سؤالا على نفسه: هل يمكن تحقيق كل هذه المصالح السابقة من
غير زيارة المسجد الأقصى؟
وهل عدم الزيارة سيُقلل المفاسد، وسيُضعف الكيان الإسرائيلي؟
استطلعنا
جُملة من المصالح والمفاسد لزيارة فلسطين، والمسجد الأقصى للمسلمين الذين يحتاجون
لتأشيرة "فيزا" لدخول الأراضي الفلسطينية، ودولهم غير مُطبّعة مع الكيان
الغاصب سواء أكانوا فلسطينيين الأصل، أم لا. سيقول القارئ إن معظم الدول العربية والإسلامية
مُطبّعة مع الكيان الغاصب، هذا صحيح لكن بعض هذه الدول، شعوبها لم تُطبّع بعد،
ومازالوا حاقدين على العدو الصهيوني، فلم يؤثر تطبيع دولهم على مبادئهم اتجاه
القضية، لذلك التعامل المستمر مع دول الاحتلال من قبل هذه الشعوب يولد الأُلفة
والاعتياد على وجودهم، وهذا ما نخشى منه، وتصبح الزيارة مرهون بقرارات إسرائيل
بالسماح بالزيارة، لا متعلق بالحُكم الشرعي.
ويرى
كل من: الشيخ ابن باز، والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ محمد بن صالح المنجد،
والدكتور علي جمعة، والمؤتمر المنعقد في عمان من قبل وزارة الأوقاف الأردنية،
إعلاميا فقط عام 2014م، بالإضافة إلى وزارة الأوقاف التابعة لسلطة رام الله. بجواز
الزيارة، استنادا للمصالح التي وردت سابقا، بالإضافة إلى وجود معاهدات سلام بين
المسلمين والإسرائيليين، التي هي بمثابة صُلح معهم، وبمقتضى هذه المعاهدات تُسمح
الزيارة. إلا أنّ جميع معاهدات السلام مع الإسرائيلين باطلة، ولا يصح قياسها
على صلح الحديبية بأي شكل من الأشكال، فمعاهدات السلام بُنيت على أساس أرض مسروقة!
فلا اعتراف، ولا صلح على أرض مُحتلة، وأثر تلك المعاهدات هو الذل والضعف للشعب
الفلسطيني، وللمسلمين أجمع، ومنعهم من المقاومة حال الاعتداء، وغيرها من الأمور
التي لا تُجيز لأي أحد قياسها بصلح الحديبية.
ويستدلون
أيضا بزيارة الرسول محمد ﷺ للمسجد الحرام وأنه طاف بالبيت واعتمر، وسميت العمرة
بـ"عمرة القضاء"، سنة 7 هجري، وحينها مكة كانت في قبضة قريش. إلا أن
قريش هم السكان الأصليون لمكة، وهم حكامها أبا عن جد، وليسوا محتلين للأرض
كالإسرائيليين الآن.
ويقولون أيضا أن بعض العلماء في السابق ومنهم: العز بن عبد السلام، وابن تيمية، وأبو حامد الغزالي، أنهم قد زاروا المسجد الأقصى وهو تحت الاحتلال الصليبي، إلا أنه قد ثبت بأن زيارة الغزالي كانت قبل الاحتلال الصليبي وليس بعده وهو ما أثبته هو لنفسه وذكره ابن الأثير كذلك، أما ابن تيمية فقد ولد بعد تحرير المسجد الأقصى بحوالي 70 سنة. إضافة إلا أن فعل العلماء وإن صح فهو ليس حُجة في الإباحة والتحريم، ولا يُعد مصدر من مصادر التشريع.
بناء على ما
سبق، وعلى المفاسد التي تم ذكرها سابقا، حَرّم مجموعة من العلماء زيارة
المسجد الأقصى وهو تحت الاحتلال للفئات التي تم ذكرها مسبقا، ومن هؤلاء العلماء:
شيخ الأزهر عبد الحليم محمود، الذي رفض الذهاب مع السادات إلى القدس، وشيخ الأزهر
ومفتي مصر جاد الحق علي جاد الحق، وقد قال: "إن من يذهب إلى القدس من
المسلمين آثم، آثم، وشيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي، حيث قال: "هذه الزيارة
لن تتم..."، والشيخ ناصر الدين الألباني وجماهير علماء الأردن وسوريا، ومن
علماء فلسطين الشيخ الدكتور حسام الدين عفانة، ومفتى مصر الشيخ أحمد الطيب، ومفتى
مصر سابقا الشيخ نصر فريد واصل، ومجمع البحوث الإسلامي التابع للأزهر الشريف في
عام 2012م، وهيئة علماء فلسطين في الخارج، والحركة الإسلامية في الأردن، والحركة
الإسلامية في الداخل، وعلى رأسها الشيخ رائد صلاح، والشيخ كمال الخطيب، ومن علماء
الأردن الشيخ محمد عثمان شبير، إضافة إلى الشيخ الإمام يوسف القرضاوي، والشيخ
الدكتور علي محيي الدين القرة داغي، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
فموضوع وجوب أو حرمة أو ندب الزيارة، لا يتعلق بقرار إسرائيلي بالسماح أو المنع، بل بالموازنة بين المصالح والمفاسد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فقد قال الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي محيي الدين القره داغي: إن إجماع المسلمين، والأدلة الكثيرة الدالة على أنه إذا اُحتلت أرض من أراضي المسلمين فيجب على أهلها الجهاد والدفع حتى تتحرر...فواجب المسلمين اليوم ليس هو شد الرحال للزيارة، بل النفير لأجل تحرير أرض المسرى من اليهود، وإن الاستغناء عن واجب الجهاد واستبداله بواجب الزيارة هو هروب من المعركة وخدير للأمة.
بقلم:
د. نذير الصالحي
أ. لبنى معوض
